محمد جمال الدين القاسمي
423
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الثالث - قال الرازي : احتج العلماء بهذه الآية على أن رسولنا صلى اللّه عليه وسلم أفضل من جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . وتقريره : أنا بيّنا أن خصال الكمال ، وصفة الشرف ، كانت مفرقة فيهم بأجمعهم ، فداود وسليمان كانا من أصحاب الشكر على النعمة ، وأيوب كان من أصحاب الصبر على البلاء ، ويوسف كان مستجمعا لهاتين الحالتين ، وموسى عليه السلام كان صاحب الشريعة القوية القاهرة ، والمعجزات الظاهرة ، وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كانوا أصحاب الزهد ، وإسماعيل كان صاحب الصدق ، ويونس كان صاحب التضرع ، فثبت أنه تعالى إنما ذكر كل واحد من هؤلاء الأنبياء ، لأن الغالب عليه خصلة معينة من خصال المدح والشرف . ثم إنه تعالى لما ذكر الكل ، أمر نبينا صلى اللّه عليه وسلم بأن يقتدي بهم بأسرهم ، فكأنه أمر بأن يجمع من خصال العبودية والطاعة كل الصفات التي كانت مفرقة فيهم بأجمعهم ، وهو معصوم عن مخالفة ما أمر به ، فثبت أنه اجتمع فيه جميع ما تفرق فيهم من الكمال ، وثبت أنه أفضلهم . وهو استنباط حسن . الرابع - اقْتَدِهْ يقرأ بسكون الهاء وإثباتها في الوقف دون الوصل ، وهي على هذا هاء السكت . ومنهم من يثبتها في الوصل أيضا لشبهها بهاء الإضمار . ومنهم من يكسرها وفيه وجهان : أحدهما هي هاء السكت أيضا ، شبهت بهاء الضمير ، وليس بشيء . الثاني هي هاء الضمير والمصدر أي : اقتد الاقتداء . ومثله : هذا سراقة للقرآن يدرسه * والمرء عند الرّشا ، إن يلقها ذيب ( فالهاء ) ضمير ( الدرس ) لا مفعول ، لأن ( يدرس ) قد تعدى إلى ( القرآن ) . وقيل : من سكن الهاء جعلها هاء الضمير ، وأجرى الوصل مجرى الوقف - أفاده أبو البقاء - . وأما قول الواحدي : الذين أثبتوا الهاء راموا موافقة المصحف ، فإن الهاء ثابتة في الخط ، فكرهوا مخالفة الخط في حالتي الوقف والوصل ، فأثبتوا - فقد قال الخفاجي : إنه مما لا ينبغي ذكره ، لأنه يقتضي أن القراءة بغير نقل تقليدا للخط . فمن قاله فقد وهم . قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً أي : على القرآن أو التبليغ . فإن مساق الكلام يدل عليهما ، وإن لم يجر ذكرهما ، إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ أي : عظة وتذكير لهم ليرشدوا من العمى إلى الهدى . تنبيهان : الأول - فيه دليل على أنه صلى اللّه عليه وسلم كان مبعوثا إلى جميع الخلق ، من الجن والإنس . وأن دعوته قد عمت جميع الخلائق .